طه علي.. من ملاعب الأحياء إلى صناعة النجومية في السويد

لاعب بدأ من بعيد، لكنه لم يتوقف عن الاقتراب من القمة. وبين المراوغة والسرعة والشغف، كتب طه علي واحدة من القصص اللافتة في كرة القدم السويدية، قبل أن يحط الرحال في تجربة أوروبية جديدة.

في كرة القدم، هناك لاعبون تصنعهم الأكاديميات الكبرى، وآخرون تصنعهم الظروف. وهناك من يبدأ من ملاعب متواضعة، يحمل موهبة أكبر من المكان الذي يلعب فيه، ويظل يطرق الأبواب حتى تفتح له أبواب القمة.

طه علي ينتمي إلى الفئة الأخيرة.

قصة اللاعب السويدي ليست مجرد مسيرة كروية عادية، بل رحلة مليئة بالصبر والإصرار والتحولات. من ملاعب الأندية الصغيرة في ستوكهولم، إلى الأضواء مع مالمو، ثم إلى القميص الدولي السويدي، استطاع اللاعب أن يحول موهبته الفردية إلى اسم فرض نفسه على الساحة.

البداية.. حين كانت الموهبة تبحث عن فرصتها

وُلد طه علي في الأول من يوليو عام 1998 في ستوكهولم، ونشأ في منطقة تينستا. هناك بدأت علاقته بكرة القدم، قبل أن يخوض خطواته الأولى مع Spånga IS، ثم ينتقل إلى محطات أخرى في كرة القدم السويدية.

لم يكن الطريق ممهداً أمامه. لم يكن اسماً معروفاً منذ الصغر، ولم يبدأ مسيرته من نادٍ أوروبي كبير. لكنه امتلك شيئاً لا يقل أهمية عن أي أكاديمية: الرغبة في إثبات نفسه.

ومع كل محطة، كان طه يضيف شيئاً جديداً إلى تجربته. ومع مرور الوقت، تحولت الموهبة إلى أداء، وتحول الأداء إلى أرقام، وتحولت الأرقام إلى اهتمام من أندية أكبر.

كانت تجربته مع Sollentuna FK من المحطات المهمة في هذا الصعود، قبل أن ينتقل إلى Örebro SK ويطرق للمرة الأولى باب الدوري السويدي الممتاز.

من لاعب مغمور إلى موهبة تلفت الأنظار

كانت رحلة طه علي مختلفة عن الطريق التقليدي للنجوم. فقد احتاج إلى الصبر حتى يحصل على فرصته الحقيقية، لكنه عندما وجد المساحة المناسبة، بدأ في إظهار شخصيته.

مع Västerås SK ثم Helsingborgs IF، أصبح اسمه أكثر حضوراً في كرة القدم السويدية.

هناك ظهر اللاعب الذي تعرفه الجماهير اليوم: جناح سريع، جريء، لا يخشى الدخول في المواجهات الفردية، ويملك قدرة على تغيير إيقاع الهجمة بلمسة أو انطلاقة.

كان طه يلعب وكأنه يريد أن يقول للمدافع: تعال وحاول إيقافي.”

وهذه الجرأة تحديداً كانت واحدة من أهم أسباب صعوده.

مالمو.. اللحظة التي تغيرت فيها الحكاية

في يناير 2023 جاءت اللحظة الفارقة.

انتقل طه علي إلى مالمو FF، أحد أكبر أندية السويد، لتبدأ مرحلة جديدة تماماً في مسيرته.

لم يكن الانتقال مجرد خطوة رياضية، بل كان اختباراً حقيقياً: هل يستطيع لاعب تألق في أندية أقل شهرة أن يثبت نفسه عندما تصبح المنافسة أكبر والضغوط أعلى؟

الإجابة جاءت سريعاً.

طه لم يحاول أن يغيّر شخصيته. لم يتخلَّ عن المراوغة، ولم يتوقف عن طلب الكرة، ولم يسمح لقوة المنافسة بأن تجعله لاعباً خائفاً.

على العكس، أصبح أسلوبه جزءاً من هوية الفريق الهجومية.

سرعة، مراوغة، انطلاقات، تمريرات حاسمة، وقدرة على صناعة الخطر من لا شيء.

ومع مالمو، لم يعد طه علي مجرد لاعب موهوب ينتظر فرصته، بل أصبح لاعباً قادراً على صناعة الفارق.

لحظات لا تُنسى

من أجمل ما يميز اللاعبين الكبار قدرتهم على الظهور في اللحظات التي يحتاج فيها الفريق إليهم.

وهذا ما فعله طه علي في أكثر من مناسبة بقميص مالمو.

في إحدى أبرز مباريات موسم 2024 أمام IFK Göteborg، دخل اللاعب بديلاً، لكنه لم يحتج إلى وقت طويل ليترك بصمته. سجل هدف التعادل بعد مجهود فردي مميز، ثم ساهم في صناعة هدف الفوز.

كانت لحظة تختصر الكثير من شخصية طه علي.

لا يحتاج إلى مباراة كاملة كي يؤثر.

أحياناً تكفيه دقائق قليلة، ومساحة صغيرة، ومدافع واحد أمامه.

اللاعب الذي يصنع المتعة

عندما تتحدث الجماهير عن طه علي، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو المراوغة.

لكن اختزال اللاعب في هذه المهارة سيكون ظلماً له.

طه لاعب يمتلك القدرة على صناعة الفرص، وتحريك الخط الهجومي، وفتح المساحات، وإرباك الدفاعات. كما أن أسلوبه المباشر يجعله مختلفاً عن اللاعب الذي يفضل التمرير الآمن دائماً.

هو لاعب يحب المخاطرة.

وفي كرة القدم، المخاطرة قد تكون أحياناً الطريق إلى المتعة، والمتعة قد تكون الطريق إلى الهدف.

لهذا السبب أحبته جماهير مالمو.

الألقاب.. حين تحولت الموهبة إلى إنجاز

لم تكن تجربة طه علي مع مالمو مجرد عروض فردية جميلة.

لقد ارتبط اسمه أيضاً بالبطولات.

خلال فترة وجوده مع النادي، ساهم في تحقيق ألقاب الدوري السويدي وكأس السويد، كما خاض تجربة المنافسات الأوروبية، ليكتسب خبرة أكبر في كرة القدم على المستوى الدولي.

وهنا تظهر قيمة الرحلة.

اللاعب الذي بدأ بعيداً عن الأضواء أصبح جزءاً من فريق ينافس على البطولات، ثم أصبح لاعباً دولياً.

إنها قفزة لم تأتِ صدفة.

من مالمو إلى منتخب السويد

كان ارتداء قميص المنتخب السويدي تتويجاً طبيعياً لمسيرة بدأت من أسفل السلم.

الوصول إلى المنتخب لم يكن مجرد تكريم للاعب موهوب، بل اعتراف بالتطور الكبير الذي حققه طه خلال السنوات السابقة.

فالمنتخب لا ينظر فقط إلى المهارات الفردية، وإنما إلى قدرة اللاعب على التعامل مع مستويات المنافسة العالية.

وطه أثبت أنه قادر على ذلك.

شخصية لا تعرف الاستسلام

ربما تكون أهم رسالة في قصة طه علي هي أن الموهبة وحدها لا تكفي.

فلو كانت الموهبة وحدها هي المعيار، لوجدنا عشرات اللاعبين في القمة.

لكن طه احتاج إلى سنوات من الانتظار والعمل والتنقل بين الأندية قبل أن يصل إلى المكان الذي يحلم به أي لاعب.

كل محطة كانت بمثابة اختبار.

كل موسم كان فرصة جديدة.

وكل مباراة كانت محاولة لإثبات أن اللاعب القادم من خارج دائرة الأضواء يستحق أن يكون فيها.

صفحة جديدة.. وحلم أوروبي أكبر

في صيف 2026 انتهت رحلة طه علي مع مالمو بعد ثلاثة مواسم ونصف، ليفتح اللاعب صفحة جديدة في مسيرته مع PAOK اليوناني.

الرحيل عن مالمو ليس نهاية القصة، بل ربما يكون بداية فصل أكثر طموحاً.

فبعد أن أثبت نفسه في السويد، أصبح التحدي الآن مختلفاً: الانتقال إلى بيئة كروية جديدة، والتأقلم مع منافسة مختلفة، ومواصلة التطور على المستوى الأوروبي.

طه علي.. القصة لم تنتهِ بعد

من ملاعب الأحياء في ستوكهولم إلى مالمو، ومن الدوري السويدي إلى المنتخب الوطني، ثم إلى تجربة جديدة في اليونان، تبدو مسيرة طه علي وكأنها قصة كتب كل فصل فيها بعرق وجهد كبيرين.

لم يكن الطريق قصيراً.

ولم تكن البداية سهلة.

لكن اللاعب الذي امتلك الجرأة على مواجهة المدافعين داخل الملعب، امتلك أيضاً الجرأة على مواجهة صعوبة الطريق خارجه.

وهنا تكمن قيمة قصته.

طه علي ليس مجرد جناح سريع ومراوغ ممتع؛ إنه لاعب أثبت أن الطريق الطويل يمكن أن يقود إلى القمة، وأن الفرصة قد تتأخر، لكنها عندما تأتي فإن استغلالها هو ما يصنع الفارق.

والآن، مع بداية فصل جديد في مسيرته، يبقى السؤال مفتوحاً:

هل تكون اليونان مجرد محطة جديدة في رحلة طه علي، أم بوابة نحو مستوى أكبر ونجومية أوسع في كرة القدم الأوروبية؟

الملعب وحده سيجيب.

لكن شيئاً واحداً يبدو مؤكداً:

اللاعب الذي لم يتوقف عن مطاردة حلمه، لم يقل كلمته الأخيرة بعد.

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *